الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

53

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعا وأخصّهم بالحال . [ 30 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 30 ] وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 30 ) النسوة : اسم جمع امرأة لا مفرد له ، وهو اسم جمع قلة مثله نساء . وتقدم في قوله تعالى : وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ في سورة آل عمران [ 61 ] . وقوله : فِي الْمَدِينَةِ صفة لنسوة . والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كنّ متفرقات في ديار من المدينة . وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى وهي مدينة ( منفيس ) حيث كان قصر العزيز ، فنقل الخبر في بيوت المتصلين ببيت العزيز . وقيل : إن امرأة العزيز باحت بالسر لبعض خلائلها فأفشينه كأنّها أرادت التشاور معهن ، أو أرادت الارتياح بالحديث إليهن ( ومن أحب شيئا أكثر من ذكره ) . وهذا الذي يقتضيه قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [ سورة يوسف : 31 ] وقوله : وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ [ سورة يوسف : 32 ] . والفتى : الذي في سنّ الشباب ، ويكنى به عن المملوك وعن الخادم كما يكنى بالغلام والجارية وهو المراد هنا . وإضافته إلى ضمير امْرَأَتُ الْعَزِيزِ لأنه غلام زوجها فهو غلام لها بالتبع ما دامت زوجة لمالكه . وشغف : فعل مشتق من اسم جامد ، وهو الشغاف - بكسر الشين المعجمة - وهو غلاف القلب . وهذا الفعل مثل كبده ورآه وجبهه ، إذا أصاب كبده ورئته وجبهته . والضمير المستتر في شَغَفَها ل فَتاها . ولما فيه من الإجمال جيء بالتمييز للنسبة بقوله : حُبًّا . وأصله شغفها حبه ، أي أصاب حبه شغافها ، أي اخترق الشغاف فبلغ القلب ، كناية عن التمكن . وتذكير الفعل في وَقالَ نِسْوَةٌ لأن الفعل المسند إلى ألفاظ الجموع غير الجمع المذكر السالم يجوز تجريده من التاء باعتبار الجمع ، وقرنه بالتاء باعتبار الجماعة مثل وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ [ سورة يوسف : 19 ] . وأما الهاء التي في آخر نِسْوَةٌ فليست علامة تأنيث بل هي هاء فعلة جمع تكسير ، مثل صبية وغلمة . وقد تقدم وجه تسمية الذي اشترى يوسف - عليه السّلام - باسم العزيز عند قوله